ابراهيم بن عمر البقاعي

364

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه : أعطيت كل سلطان ، فأثبت أن المعطي غيره ، وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه ، ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوا من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه ، كما قال بعض العلماء : إنه ألقى شبهه عليه ، ويؤيد ذلك قولهم : إنه خنق نفسه ، فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه ، فجزموا به - واللّه أعلم ، وقوله : إنك يا رباه فيّ وأنا فيك ، ليكونوا - أي التلاميذ - فينا ، ونحوه مما يوهم حلولا المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحدا منهم لا يريد إلا ما يريده الآخر ، ولا يرضى إلا ما يرضاه ، فهو من وادي ما في الحديث القدسي « كنت سمعه الذي يسمع به » « 1 » - إلى آخره ، وكذا إطلاق الابن والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنه ، فالمراد الغاية ، كما يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق اللّه تعالى في شرعنا ، وقد مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران ، ومضى في ذلك الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصا لا يجوز في شرعنا إطلاقه على اللّه تعالى - واللّه الموفق . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 159 إلى 161 ] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 ) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 161 ) ولما أنجز الكلام إلى أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود وقبائح أفعالهم ، وأنهم قصدوا قتله عليه الصلاة والسّلام ، فخاب قصدهم ، وأصلد زندهم ، وقال رأيهم ، ورد عليهم بغيهم ، وحصل له بذلك أعلى المناصب وأولى المراتب ؛ قال محققا لما أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم ، مثبتا أنهم في مبالغتهم في عداوته سيكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره الذي منه

--> ( 1 ) جيد . هو بعض حديث أخرجه البخاري 6502 وابن حبان 347 كلاهما من حديث أبي هريرة وفي إسناده خالد بن مخلد ذكره الذهبي في الميزان وقال : قال أبو حاتم : لا يحتج به وقال أحمد : له مناكير وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من حديثه استنكرها منها هذا الحديث وقال : هذا حديث غريب جدا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد لغرابة لفظه ولأنه مما ينفرد به شريك ا ه . - وذكر ابن حجر في الفتح 11 / 341 كلام الذهبي وزاد : ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلا ا ه راجع كلام ابن حجر في الفتح 11 / 341 . - ومن شواهده حديث معاذ ابن جبل أخرجه ابن ماجة 3989 وأبو نعيم في الحلية 1 / 5 مختصرا وسنده ضعيف . قال البوصيري : في إسناده عبد اللّه بن لهيعة ضعيف .